الصالحي الشامي
147
سبل الهدى والرشاد
لها ويسأل التخفيف عنها فلقوله - والله أعلم - حين قضي إليه الامر بجانب القربى ورأى صفات أمة محمد عليه السلام في الألواح وجعل يقول : إني أجد في الألواح أمة صفتهم كذا : اللهم اجعلهم أمتي . فيقال له : تلك أمة محمد . قال : اللهم اجعلني من أمة محمد ، وهو حديث مشهور في التفاسير . فكان إشفاقه عليهم واعتناؤه بأمرهم يعتني بالقوم من هو منهم لقوله : اللهم اجعلني منهم ) . التنبيه الحادي والتسعون : في قول موسى : ( قد عالجت الناس قبلك ) إلى آخره دليل على أن علم التجربة زائدة على العلوم ، ولا يقدر على تحصيله بكثرة العلوم ولا يكتسب إلا بها ، أعني التجربة ، لان النبي صلى الله عليه وسلم أعلم الناس وأفضلهم سيما وهو حديث عهد بالكلام مع ربه تبارك وتعالى وورد إلى موضع لم يطأه ملك مقرب ولا نبي مرسل ، ثم مع هذا الفضل العظيم قال له موسى عليه السلام : ( أنا أعلم بالناس منك ) ، وذكر له العلة التي لأجلها كان أعلم منه بقوله : ( عالجت بني إسرائيل أشد المعالجة ) . فأخبره أنه أعلم منه في هذا العلم الخاص الذي لا يوجد ولا يدرك إلا بالمباشرة وهي التجربة . التنبيه الثاني والتسعون : وفيه دليل على جواز الحكم بما أجرى الله تعالى بحكمته من ارتباط العوائد لان موسى عليه السلام حكم على هذه الأمة بأنها لا تطيق ، وذلك سبب ما أخبر به وهو علاج بني إسرائيل ، ومن تقدم أقوى وأجلد ممن يأتي بعد ، كما أخبر تعالى بقوله : ( كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها ) ( الروم : 9 ) فرأى موسى أن ما لم يحمله القوي فمن باب أولى ألا يحمله الضعيف فهو بعد محكم بأثر الحكمة في ارتباط العادة ، مع أن القدرة صالحة لان يحمل الضعيف ما لا يحمل القوي . وقد ورد أن الصلاة التي كلف بها بنو إسرائيل ركعتان بالغداة وركعتان بالعشي ومع هذا لم يقوموا بذلك . التنبيه الثالث والتسعون : وفي سؤال موسى طلب التخفيف عن هذه الأمة دليل على أن بكاءه أولا حين صعود النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن إلا للوجه الذي أبديناه لا لغيره ، لأنه لو كان لغير ذلك لبكى حين رجوع النبي صلى الله عليه وسلم أو سكت ، ولكنه قام في الخدمة والنصيحة للنبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أن كان بكاؤه أولا للوجه الذي ذكرناه ولم يصادف ما أشرنا إليه وإنما كانت هذه النفحة من النفحات الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم ، تعرض أيضا لهذه الأمة بطلب التخفيف ، فصادف اعتراض هذه النفحة في موضعها لأنها خاصة بهذه الأمة . وتكلم هو صلى الله عليه وسلم في حقها فأسعف فيما أراد وحقق عز وجل دعاءه إذ ذاك ورد الخمسين إلى خمس ، وزاد بالافضال فجعل الحسنة عشرا في الثواب عليها ، فأزال الله تعالى عن الأمة فرض تلك الصلوات وأبقى لهم ثوابا تفضلا منه وإحسانا . التنبيه الرابع والتسعون : قال ابن أبي جمرة : ( في الحديث دليل للصوفية حيث